الطريق.الحق.الحياة
The Way.Truth.Life

 

3- ماذا قالت أعمال المسيح؟

من كتاب أرني أين قال المسيح: ”أنا هو الله فاعبدوني“؟ لخادم الرب يوسف رياض

«صدقوني, وإلا فصدقوني بسبب الأعمال نفسها» (يوحنا 10: 37و38). رأينا في الفصلين السابقين أن المسيح قال مرات عديدة ما يفيد أنه الله الظاهر في الجسد. وسنرى في هذا الفصل أنه لم يقل ذلك فقط، بل قدم أيضًا الدليل الساطع والبرهان القاطع عليه. ونحن نعرف أن الأفعال لها صوت أعلى من الأقوال، فما أسهل أن يدعي شخص بأنه إله، أو أنه رسول من عند الله ، أو أنه أحد أنبيائه. لقد تقابلت أنا شخصيًا مع أشخاص فقدوا قواهم العقلية فادعوا مثل هذه الادعاءات. لكن المسيح – له كل المجد – كما قال بأساليب مختلفة إنه الله، فقد برهن على ذلك أيضًا بما لا يحصى من أعمال. في ختام حياته مع التلاميذ وهو يحدثهم حديث الوداع في العلية، قال له المجد للتلاميذ: «لو لم أكن قد جئت وكلمتهم (يقصد اليهود) لم تكن لهم خطية، وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم. لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي» (يوحنا15: 22-24). والمقصود بعبارة ”خطيتهم“ هو خطية رفضه، وعدم الإيمان به أنه هو الله الذي ظهر في الجسد، وأنه المسيا. والآن، دعنا نمر على ثمانية أنواع من المعجزات التي عملها المسيح له المجد كعينات:

3.1- تطهير الأبرص:

لقد اخترت هذه المعجزة لأتحدث عنها في البداية، لأنها كانت أول معجزة مسجلة للمسيح في البشائر الأربع. وهي معجزة عظيمة في نظر اليهود الذين عملت المعجزة بينهم، والذين كتب متى البشير إنجيله إليهم، وذلك لجملة أسباب:

أولاً: لأن مرض البرص هو مرض بشع للغاية، يجعل صاحبه كالميت الذي أكل لحمه (عدد12: 12). وهذا يعطينا فكرة عن مقدار بشاعة هذا المرض.

ثانيًا: كان هذا المرض - بحسب شريعة موسى – يعتبر نجاسة، تحرم صاحبها ليس فقط من ممارسة العبادة في هيكل الله، بل حتى من الاختلاط مع شعب الله، فكان يتم عزله خارج أماكن إقامة الشعب. وعن هذا المرض اللعين أفرد الناموس أصحاحين كاملين لشرحه وشرح كيفية التعامل مع المصابين به (لاويين 13؛ 14).

ثالثًا: إنه كان يستحيل الشفاء من هذا المرض. ولهذا فإنه عندما أرسل ملك أرام إلى ملك إسرائيل رئيسَ جيشه نعمان السرياني ليشفيه من برصه، مزق الملك ثيابه، وقال: «هل أنا الله لكي أميت وأحيي، حتى أن هذا يرسل إليَّ أن أشفي رجلاً من برصه؟» (2ملوك5: 7). مما يوضح لنا نظرة الناس إلى خطورة هذا المرض، واستحالة الشفاء منه.

لكن المسيح في هذه المعجزة بلمسة واحدة مصحوبة بأمر منه، طهَّر الأبرص!

نلاحظ أن الرب يسوع لم يكن دائمًا يلمس من يقوم بشفائهم، فكثيرًا ما اكتفى بالكلمة وحدها، لكنه في حالتنا هذه لمس الأبرص. ولقد كان – بحسب الشريعة - من يلمس الأبرص يتنجس، لكننا هنا نرى شخصًا يلمس الأبرص فلا يتنجس هو، بل الأبرص هو الذي يطُهر. فمن يكون هذا الشخص العجيب؟

وعندما أتي ذلك الأبرص فقد قال للمسيح: «يا سيد: إن أردت تقدر أن تطهرني»، فقال له يسوع: «أريد فاطهر». لاحظ أن المسيح لم يقل له: ”كل شيء بإذن الله“، بل قال: ”أريد“. ونقرأ: ”ففي الحال طهر برصه“!

ترى من الذي له سلطان أن يقول ”أريد“. ولا يقولها فقط، بل يفعل أيضًا. حقًا لقد أثبت المسيح بهذا أنه هو الله الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته» (أفسس1: 11).

والمسيح هنا نراه بحنانه يلمس الأبرص المنبوذ، وبقوته يطهره من برصه. مجدًا له فإنه صاحب أرق قلب، وأقوى ذراع!

3.2- شفاء المرضى:

لقد قام بعض الأنبياء والرسل بعمل معجزات شفاء، لكنهم عملوا تلك المعجزات بقوة استمدوها من الله عن طريق الصلاة، أو بسلطان أخذوه من الرب يسوع المسيح نفسه، أما المسيح - بخلاف كل من سبقه وكل من لحقه - فعل تلك المعجزات بقوته هو وسلطانه الشخصي. وليس ذلك فقط بل إنه أعطى هذا السلطان لآخرين (متى 10: 5-8). وواضح أن من يعطي السلطان لغيره، يملك هو شخصيًا هذا السلطان.

ثم لاحظ أنه لم تكن هناك أنواع من الأمراض متخصص فيها الرب يسوع، بل يقول عنه متى البشير إنه «كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب , فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين فشفاهم» (متى 4: 23و24). ومرة ثانية يقول: «وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلم في مجامعهم,. ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (متى9: 35). ارجع أيضًا إلى متى 14: 35و36؛ 15: 30و31؛ مرقس1: 32-34؛ 3: 10؛ 6: 55و56؛ لوقا4: 40؛ 6: 19

وأما كيف كان الرب يشفي المرضى، فإن المسيح أحيانًا كان يشفي بكلمة، مجرد كلمة يقولها، وكانت كلمته تحمل معها السلطان، فيهرب المرض من المريض الذي أمامه. ومرات كان المسيح يشفي بكلمة، لكن من على بعد، دون أن يقابل المريض شخصيًا، لكن كلمته وأمره كانا يحملان معهما السلطان؛ وأحيانًا كان الذين يلمسونه ينالون الشفاء.

لقد شفى المسيح بكلمة. فهو مثلاً قال للمفلوج الذي قُدِم إليه يحمله أربعة: «قم واحمل سريرك، واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل» (مرقس2: 11، 12). ولمريض بركة بيت حسدا الذي ظل مقعدًا لمدة ثماني وثلاثين سنة، يرجو الحصول على الشفاء عن طريق نزوله في البركة متى تحرك الماء، كلمة واحدة من فم المسيح جعلت ذلك الرجل صاحب أقدم مرض، يحمل سريره ويمشي» (يوحنا5: 5-9). ولحماة بطرس نقرأ أنه انتهر الحمى فتركتها، بل نقرأ إنها في الحال قامت وصارت تخدمهم (لوقا4: 38، 39). ومع الرجل ذي اليد اليابسة قال المسيح له مد يدك فعادت صحيحة كالأخرى (متى12: 13).

في هذا يقف المسيح في موقف المباينة مع كل رجال الله والأنبياء، ففي العهد القديم نقرأ عن ملك يبس الله يده، ردعًا له عن شره، هو الملك يربعام، الذي مد يده ليمسك رجل الله الذي تنبأ ضده في ذلك اليوم. لقد يبست يده في الحال، ولم يستطيع أن يردها. ولما تضرع رجل الله إلى وجه الرب من أجل الملك، رجعت يد الملك إليه، وكانت كما في الأول (1مل 13). أما الرب يسوع فعندما شفي الرجل ذا اليد اليابسة، لم يكن محتاجًا إلى أن يتضرع إلى وجه الرب، لأنه هو الرب. ففارق كبير بين ”رجل الله“ الذي يعمل معجزة، وبين الله نفسه الذي تنازل وقَبِلَ أن يصير رجلاً. وأما بالنسبة للحُمى التي شفى حماة بطرس منها، فمعروف اليوم أن العلاج من الحمى، برغم تقدم الطب الهائل، يحتاج علاج يستمر لأيام كثيرة، فيها تبدأ الحمى في الاختفاء بالتدريج تاركة المريض منهكًا. أما المسيح فلا يلزمه سوى أن يأمر، فتهرب الحمى هروبًا من أمام وجهه! قال النبي عن الرب: «قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى» (حبقوق 3: 5).

وبالنسبة لمريض بركة بيت حسدا، فنحن نتذكر ما عمل الله في الخليقة الأولى، عندما «قال ليكن نور فكان نور» (تكوين 1: 3). ويقول المرنم: «قال فكان، هو أمر فصار» (مزمور33: 9). هكذا المسيح هنا، كلمة واحدة حملت معها القوة للمريض، فقام طاعة لكلمات المسيح (يوحنا5: 8، 9). إنه الرب الذي قال عنه المرنم: «أرسل كلمته فشفاهم» (مزمور107: 20).

ومرات كان المسيح يشفي بكلمة، ولكن من على بعد، فمرة أتى قائد مئة إلى يسوع يطلب إليه من أجل غلامه المفلوج، ولما قال المسيح: «أنا آتي وأشفيه. فأجاب قائد المئة وقال: يا سيد لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي». ولقد تعجب يسوع من إيمان ذلك القائد، لأنه كان أمميًا، وقال له: «اذهب، وكما آمنت ليكن لك، فبرأ غلامه في تلك الساعة» (متى 8: 5-13). ومرة ثانية مع ضابط من الحرس الملكي في كفرناحوم، أتى إلى يسوع وهو في قانا الجليل وطلب إليه أن ينزل معه، ليشفي ابنه قبل أن يموت، لأنه كان مصابًا بحمى شديدة، «قال له يسوع: اذهب، ابنك حي» (يوحنا5: 46-54). إن قانا الجليل حيث التقى الرب ذلك الضابط، تبعد عن كفر ناحوم نحو أربعين كيلو مترًا. لكن الأمر لم يستلزم أكثر من قول الرب «اذهب، ابنك حي»!

يفتخر الإنسان اليوم في القرن الواحد والعشرين بقدرته على التحكم من بعد. فمن الأرض يمكنه أن يصلح الأعطال التي تحدث في الأقمار الصناعية ومركبات الفضاء. لكن إن كان الإنسان يقدر أن يصحح من بُعد أخطاء في أشياء صنعها، فإن الله يستطيع أن يشفي من بُعد أمراضًا في أشخاص خلقهم. هذا ما عمله الرب يسوع في معجزة شفاء ابن خادم الملك في كفرناحوم، وشفاء غلام قائد الئة في كفرناحوم أيضًا. لقد شفى المرض المستعصي من بُعد، وأقام المشرف على الموت بكلمة قدرته. يا لروعة المعجزة!! وما ذلك إلا لأنه بلاهوته يملأ كل مكان.

ونحن نتذكر كيف في بداية المسيحية كان ظل بطرس يشفي المرضى. فبمجرد أن يخيم ولو ظله على أحد المرضى كان يبرأ في الحال (أعمال5: 15). وأما بولس فقد صنع الله على يده قوات غير المعتادة، حتى إنه كان يُؤتى عن جسده بمناديل أو مآزر إلى المرضى فتزول عنهم الأمراض (أعمال19: 11و12). لكن رب بطرس وبولس لم يكن بحاجة لا إلى أن يخيم بظله، ولا أن يؤتى عن جسده بمناديل. بل إن كلمة تخرج من فمه، وهو في مكانه، كانت تحمل معها الأمر، وهذا يكفي!

ومرات كان المسيح يشفي بدون كلمة يقولها هو، ولا كلمة يقولها المريض، كل ما في المسألة أن يأتي المريض ويلمس هدب ثوب المسيح فينال المريض الشفاء في الحال. ويخبرنا الوحي عن امرأة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة، تألمت كثيرًا من أطباء كثيرين، وأنفقت كل ما عندها، ولم تنتفع شيئًا بل صارت إلى حال أردأ. ما أن سمعت عن يسوع حتى أتت إليه لأنها قالت إن مسست ولو هدب ثوبه شفيت، وقد كان. ولقد صارت هذه المرأة رائدة، اقتدى بها الكثيرون. ففي مرقس 5: 28 يذكر لنا لمسة هذه المرأة للمسيح وشفائها، وفي مرقس 6: 56 يذكر كيف أن مرضى كثيرين طلبوا أن يلمسوا ولو هدب ثوبه، وكل من لمسه شفي!

وبالنسبة للمرأة نازفة الدم تذكر البشائر أن الرب توقف ليسأل هذا السؤال، الذي بدا على المسامع غريبًا: ”من لمسني؟“. قال له تلاميذه أنت ترى الجمع يزحمك، وتقول من لمسني؟ لكن الرب أصر على أن يرى الذي فعل ذلك. وكان له في هذا حكمة، فلقد أراد الرب أن تذهب هذه المرأة نازفة الدم إلى بيتها، ليست متمتعة بالشفاء الجسدي فقط، بل بما هو أفضل وأهم، ببركة السلام لنفسها وروحها، فما أن اعترفت أمامه بالحق كله، حتى قال لها: «اذهبي بسلام». لقد خرجت من بيتها مريضة وها هي تعود إلى البيت صحيحة؛ وجاءت إلى الرب «وهي خائفة ومرتعدة» وها هو يقول لها «اذهبي بسلام»!

فإيمان هذه المرأة شفاها، ولكن كلمة الرب ملأت قلبها بالثقة.

وبالإضافة إلى ذلك أراد الرب أن يعلمنا درسًا هامًا، وهو أنه العليم بكل شيء. فلا شيء يمكن أن يختفي عنه على الإطلاق، ولا حتى لمسات أصابعنا! وذاك الذي رأى إيمان هذه المرأة وانتعش به، أ لم يكن يرى أيضًا عدم إيمان الجموع؟!

قارئي العزيز إنه أيضا يراك ويعرفك، فهل لديك إيمان؟ «إيمان مختاري الله»؟ (تيطس 1: 1). مكتوب: «ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (أي إرضاء الله). لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه» (عبرانيين 11: 6).

3.3- فتح أعين العميان:

هذه الآية لم يقم بعمل نظيرها نبي من قبل المسيح، ولا رسول من بعده. وكان معروفًا بين معلمي اليهود أن آية تفتيح أعين العميان تخص المسيح وحده دون سواه، بحيث أن من يفتح أعين العميان يكون بالتأكيد هو المسيح منتَظَر الأمة. ولهذا فلما أرسل يوحنا المعمدان اثنين من تلاميذه إلى الرب ليسأله: «أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» فإن المسيح في إجابته على المعمدان، أشار على رأس ما أشار، إلى معجزات تفتيح أعين العميان قائلاً: «إذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتي يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيَّ» (متى 11: 4، 5).

لكن هذه المعجزة العظيمة، تفتيح أعين العميان، ليست دليلاً على مسياوية يسوع فقط، بل على لاهوته أيضًا. ففي العهد القديم ينسب تفتيح العميان إلى الرب وإلى الله، فنقرأ قول المرنم: «الرب يفتح أعين العميان» (مزمور 146: 8)، كما يقول النبي: «هوذا إلهكم , هو يأتي ويخلصكم، حينئذ تتفقح عيون العمي» (إشعياء35: 4، 5). وكلمة ”تتفقح“ تعني إنها تتفتح على اتساعها، وتبصر بكل وضوح.

ولهذا فآية تفتيح أعين العميان برهنت لكل ذي بصيرة داخلية أن يسوع هو المسيح، وأنه هو الرب الإله.

ولقد ذكرت البشائر الأربع قيام المسيح بإعطاء نعمة البصر لسبعة أشخاص مذكورين بالتفصيل، هم بترتيب ذكرهم في الكتاب: الأعميان اللذان شفاهما المسيح في بداية خدمته (متى 9: 27-31)؛ ثم أعمى آخر مذكور في متى 12: 22، وكانت حالته بؤسًا مركبًا، إذ كان أعمى وأخرس ومجنونًا؛ ثم أعميان شفاهما الرب بقرب أريحا، في نهاية خدمته تقريبًا (متى 20: 29-34)، والسادس هو الأعمى الذي من بيت صيدا والذي ذكر في مرقس 8: 22-26، والسابع هو رجل أعمى منذ ولادته، مذكورة قصته في يوحنا9

والعين من أعقد أعضاء جسم الإنسان. فالشبكية مثلا وهي تقع في مؤخر العين، مع أنها في سُمك الورقة العادية، لكنها مليئة بملايين المخاريط والنبابيت التي تعمل على تميز الضوء والألوان. فتحتوي العين على نحو 125 مليون عصًا، وهي تتأثر بالضوء الخافت، كما تحتوي على نحو 6 مليون مخروط من أنواع ثلاثة تستجيب للألوان الرئيسية: الأزرق والأخضر والأحمر. ثم توجد القزحية، وفي منتصفها يوجد ثقب هو ”البؤبؤ“، أو ”إنسان العين“ أو ”الحدقة“. وهي عضلة ملونة تتحكم في هذا الثقب، فتضيقه وتوسعه حسب كمية الضوء المعرض له العين.

وخلف البؤبؤ توجد العدسة، وهذه ليست مثل عدسات النظارات أو الكاميرات ثابتة، بل إن الله الخالق العظيم جعلها متغيرة الشكل لتساعد العين على التركيز، حسب بعد الغرض أو قربه. فتتحكم بكل عين ست عضلات، وتمكن العين من أن تتحرك في أي اتجاه تقريبًا. لكن العينين تتحركان معًا، وهما مزودان بأسرع عضلات في جسم الإنسان.

ثم العصب البصري، وهو يحول طاقة الضوء إلى نبضات عصبية، من ثم ينقل تلك النبضات من العين إلى الدماغ ليترجمها المخ.

أمام هذا الإعجاز الإلهي، كيف يمكن لمجرد إنسان أن يخلق عيونًا لشخص ولد أعمى؟ لقد قال الرجل الذي كان أعمى فأبصر عن المسيح: «لو لم يكن هذا من الله، لما قدر أن يعمل شيئًا». لكن الحقيقة أن يسوع ليس فقط ”من الله“، بل إنه هو الله. ولذلك فعندما ثارت الدنيا على الرجل الذي نال الشفاء، ووصل الأمر إلى طرده خارج المجمع، التقاه المسيح، وسأله هذا السؤال المصيري الهام: «أ تؤمن بابن الله؟ قال له الرجل: من هو يا سيد لأومن به. أجابه يسوع: قد رأيته، والذي يتكلم معك هو هو. قال له الأعمى: أؤمن يا سيد. وسجد له».

أيها القارئ العزيز؟ أ تؤمن بابن الله؟

ليتك تقول نعم، وليتك تسجد له!

3.4- إسكات عاصفة البحر:

لقد عمل المسيح خمس معجزات بالارتباط بالبحر ذُكرت بالتفصيل في البشائر الأربع، ، وهي كالآتي:

إسكات عاصفة البحر عندما كان المسيح مع تلاميذه في السفينة، وكان هو في مؤخر السفينة نائمًا، ومرة أخرى أسكت المسيح العاصفة حين مشى فوق البحر الهائج، كما سنرى في الفقرة التالية، وثلاث معجزات أخرى عملها المسيح بالارتباط بصيد السمك (لوقا5: 4-9؛ متى17: 27؛ يوحنا21: 3-7). فالبحر خاضع له، وأيضًا سمك البحر السالك في سبل المياه (مزمور8: 8).

دعنا الآن نركز الفكر في معجزة إسكات عاصفة البحر الأولى، والتي بها أظهر المسيح سلطانه على قوى الطبيعة.

ولقد وردت معجزة إسكات المسيح للعاصفة في الأناجيل الثلاث المتماثلة (متى8: 23-27، مرقس4: 35-41، لوقا8: 22-25). وكان المسيح قد قال لتلاميذه لنجتز إلى العبر. ثم دخلوا السفينة معًا، وأما هو فإذ كان متعبًا فقد خلد للنوم على وسادة في مؤخر السفينة. ويبدو أنه في أثناء نومه، أراد الشيطان ”رئيس سلطان الهواء“ أن يهز إيمان التلاميذ، فأهاج ريحًا عاصفة شديدة، ضربت السفينة، وبدأت المياه تدخل إليها، وصاروا في خطر.

ولقد كان معظم التلاميذ صيادين مهرة، لهم خبرة كبيرة في البحر، وبلا شك حاولوا بكل مهارتهم مواجهة العاصفة، دون أن يُقلقوا معلمهم. لكن انطبقت عليهم كلمات المزمور أمام الريح العاصفة، والأمواج المتلاطمة: «يصعدون إلى السماوات، يهبطون إلى الهاوية، ذابت أنفسهم بالشقاء. يتمايلون ويترنحون مثل السكران، وكل حكمتهم ابتلعت» (مزمور107: 26، 27). فماذا يفعلون؟

الأمر الطبيعي في مثل هذه لأحوال هو الصراخ إلى الله. ويستطرد المرنم في المزمور قائلاً: «فيصرخون إلى الرب في ضيقهم، ومن شدائدهم يخلصهم. يهدي العاصفة فتسكن وتسكت أمواجها» (مزمور107: 28، 29). على أن التلاميذ التجأوا إلى يسوع الذي كان نائمًا في سفينتهم، فهل أمكنه أن يخلصهم من شدائدهم؟

الإجابة العظيمة هي نعم. واستمع إلى كلام البشير: «ثم قام، وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوء عظيم» (متى8: 26)!

ما أعجب هذا! الرياح سكنت، والأمواج وقفت، والجو صفا، والماء صار كصفحة الزجاج. ومع أن العاصفة عادة تتوقف تدريجيًا، لكن ما حدث هنا كان خلافًا لهذا ، فكلمته حملت معها الهدوء التام للعاصفة!

من ذا الذي له سلطان على الريح؟! لقد كان هذا السؤال «من جمع الريح في حفنتيه؟» (أمثال30: 4)، إحدى الأحاجي التي ذكرها أجور بن متقية مسا، لا إجابة عنها سوى «الله».

والبحر , من يتحكم فيه؟ إن أحجية أجور تستطرد قائلة: «من صر المياه في ثوب؟». والله وهو يحاج أيوب مظهرًا له ضعفه التام إزاء قدرة الله المطلقة، قال له: «من حجز البحر بمصاريع، حين اندفق , جزمت عليه حدي وأقمت له مغاليق ومصاريع، وقلت إلى هنا تأتي ولا تتعدى، وهنا تتُخم كبرياء لججك» (أيوب38: 8-11).

ليس عجيبًا إذًا أن سيدنا يدعى اسمه ”عجيبًا“؛ فذاك الذي قبلَ لحظات كان نائمًا من الإعياء، قام وانتهر قوى الطبيعة الثائرة! وهو إن كان قد ذكر قبل تلك المعجزة مباشرة أنه ”ليس له أين يسند رأسه“ (متى8: 20)، لكن دعنا لا ننسى أنه هو المتسلط على كبرياء البحر، الرب يهوه. إنها واحدة من المشاهد التي تظهر لنا بوضوح الطبيعتين في الشخص الواحد يسوع المسيح: الطبيعة اللاهوتية، والطبيعة البشرية.

دعنا نتوقف عند توبيخ المسيح لتلاميذه، ليس لأنهم أقلقوه في نومه، بل لأنهم هم أنفسهم قلقوا. لقد قال لهم: «ما بالكم خائفين هكذا يا قليلي الإيمان؟». والسؤال الذي يفرض نفسه: أ لم يكن من الواجب عليهم أن يوقظوه لأنهم صاروا بالفعل في خطر؟ الإجابة: إنه كان قد أمر بالذهاب إلى العبر. وكأنه يقول لهم: ”طالما أني قلت ذلك، فلا بد أنكم ستصلون إلى العبر كما قلت لكم. مهما حدث في البحر“!

«فتعجب الناس قائلين أي إنسان هذا! فإن الرياح والبحر جميعًا تطيعه» (متى 8: 27). والدلالة التي لا مفر منها لهذه المعجزة العظيمة إن المسيح ليس شخصًا عاديًا، ولا حتى مجرد نبي. ولذلك كان تعجب التلاميذ من عمله هذا. سبق لتلاميذه أن رأوا سلطانه على المرض، وبكلمة من فمه أو لمسة من يده كان المرض يهرب من أمامه. لكن من ذا الذي له سلطان على البحر وعلى الريح؟ من الذي يكلم قوى الطبيعة قائلاً: اسكت ابكم، فيصير هدوء عظيم!

هناك آيات كثيرة في العهد القديم تعرفنا أكثر بحقيقة شخص ربنا يسوع المسيح، كما نراه في هذه المعجزة، فيقول المرنم عن الرب: «يجمع كند أمواج اليم، ويجعل اللجج في أهراء» (مزمور33: 7)، ويقول أيضًا: «يا رب إله الجنود من مثلك، قويٌ ربٌ وحقك من حولك. أنت متسلط على كبرياء البحر، عند ارتفاع لججه أنت تسكنها» (مزمور89: 8، 9). وأيضًا «من أصوات مياه كثيرة، من غمار أمواج البحر، الرب في العلى أقدر» (مزمور93: 4). والمسيح حين صار إنسانًا، لم يكف عن كونه الله، ولا تخلى عن أية صفة من صفات اللاهوت، فكان هو كلي العلم وكلي القدرة ومعجزاته تظهر لنا ذلك.

3.5- المشي فوق الماء:

هذه المعجزة حدثت أيضًا بالارتباط بالبحر، وتمت بعد معجزة إشباع الجموع بالأرغفة الخمسة والسمكتين. وهناك فارق هام بين هذه المعجزة والمعجزة السابقة، فعندما هبت العاصفة عليهم هذه المرة لم يكن المسيح معهم، بل هبت العاصفة عليهم في أثناء الليل، وهم وحدهم بدون رفقته لهم.

لكن المسيح لم يترك تلاميذه في هذه التجربة الصعبة، بل نقرأ «وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيًا على البحر».

ونحن في هذه الحادثة نجد أربع معجزات للمسيح، وهذه أولها، إذ سار المسيح فوق الماء!

يخبرنا الكتاب المقدس أن موسى شق البحر الأحمر، فعبر بنو إسرائيل في وسط اليابسة! كما يخبرنا أن يشوع شق نهر الأردن، فعبر الشعب النهر أيضًا إلى كنعان، وكل من إيليا وأليشع أيضًا شقا نهر الأردن وعبرا في اليابس. أما المسيح فلم يجفف بحيرة طبرية، لكي يصل إلى تلاميذه، بل مشى فوق أمواجها العاتية!

يقال إن الرمز الهيروغليفي لكلمة ”مستحيل“ هو رسم لأقدام تسير فوق الماء. لكن هذا المستحيل عند قدماء المصريين ليس مستحيلاً على الرب، الذي قال لإبراهيم قديمًا: «هل يستحيل على الرب شيء؟» (تكوين18: 14).

في هذا قال أيوب عن الرب: «الباسط السماوات وحده، الماشي على أعالي البحر» (أيوب9: 8). وقال المرنم عنه: «الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة الريح» (مزمور104: 3).

وعن باقي المعجزات المتضمنة في هذه المعجزة المركبة فهو أن بطرسا طلب من المسيح أن يأمره ليأتي إليه سائرًا على الماء، فقال له الرب تعال. وسار بطرس فعلاً فوق الماء بأمر المسيح. هذه هي المعجزة الثانية.

والمعجزة الثالثة أنهما، أي الرب يسوع وبطرس «لما دخلا السفينة سكنت الريح» (ع32).

والمعجزة الرابعة مذكورة في يوحنا 6: 21 إذ بمجرد دخولهما السفينة صارت السفينة إلى الأرض التي كانوا ذاهبين إليها.

ليس سوى المسيح الذي أمكنه أن يعمل هذه المعجزات الأربع، وكلها تؤكد أنه لا يمكن أن يكون مجرد إنسان، إذ تذكرنا بكلمات المرنم: «النازلون إلى البحر في السفن، العاملون عملاً في المياه الكثيرة, يصرخون إلى الرب في ضيقهم ومن شدائدهم يخلصهم. يهدي العاصفة فتسكن وتسكت أمواجها. فيفرحون لأنهم هدأوا، فيهديهم إلى المرفأ الذي يريدونه» (مزمور107: 23-30).

3.6- إخراجه للشياطين.

الشيطان هو عدو البشرية الأول، فهو الذي أسقط الإنسان في الجنة، وهو الذي ما زال يلاحقه خارج الجنة ليمنعه من التوبة والرجوع إلى الله. بل إن الشيطان يجد لذة خاصة في إهانة الإنسان وإذلاله. والمشكلة أنه لا يوجد في كل الكون من هو أقوى من الشيطان إلا الله، ولذلك فمن ذا الذي يقدر أن يخلص البشرية من عبوديته وإيذائه للبشر؟ لقد جاء ابن الله لينقض أعمال إبليس (1يوحنا3: 8)، وباعتباره الأقوى من هذا القوي فقد أمكنه أن يدخل بيته، وأن يربطه، ثم أخذ ينهب أمتعته (لوقا11: 21، 22).

ولذلك فقد كانت نصرة المسيح على الشيطان وتخليصه لأولئك الذين كانوا له عبيدًا، دليلاً على أنه الأقوى من هذا القوي، وبالتالي كانت دليلاً على أنه هو الله

والجدير بالذكر أن المسيح ليس فقط خلص البشر من الشياطين بسلطانه الشخصي، بل قد أعطى هذا السلطان لرسله الاثني عشر (متى10: 8)، ثم للرسل السبعين (لوقا10: 17)، ومرة ثانية للرسل بعد قيامته من الأموات (مرقس16: 17). وكون المسيح أعطى تلاميذ السلطان على إخراج الشياطين، فهذا معناه أن يملك هذا السلطان بصورة أصيلة.

ولقد ذكرت لنا الأناجيل سبع معجزات لإخراج الشياطين، فيها أظهر المسيح تفوقه على الشياطين. والرقم 7 هو رقم الكمال، وهذه المعجزات هي:

شفاء أخرس مجنون (متى9: 32-34)، ثم شفاء المجنون الأعمى والأخرس (متى12: 22-30، مرقس3: 22-27، لوقا11: 14-23)؛ ثالثًا: شفاء الذي به الروح النجس في المجمع (مرقس1: 21-28، لوقا4: 31-37)، ورابعًا: شفاء مجنون بلدة الجدريين (متى8: 28-34، مرقس5: 1-20، لوقا8: 26-29) ؛ وخامسًا: شفاء المرأة المنحنية (أو الحدباء) (لوقا13: 10-17) ؛ وسادسًا: شفاء ابنة المرأة الكنعانية (متى15: 21-28، مرقس7: 24-30)؛ وسابعًا: شفاء الولد المصروع (متى17: 14-21، مرقس9: 14-29، لوقا9: 37-43).

لقد كان المعزمون يحاولون إخراج الشياطين بتلاوات وقراءات يقولونها، وأما المسيح فلا تلاوة ولا تعزيم، بل أمرٌ بسلطان جعلت الشياطين تخضع له. كان المسيح يقول كلمة واحدة، فلا تملك الشياطين سوى الإذعان والطاعة. لقد رأينا فيما سبق كيف سيطر الرب على الريح الهائجة، وعلى الزوبعة العاصفة، وهنا نجد المسيح يسيطر على الأرواح الشريرة رغم شراستها وكثرتها. في الحالتين كانت كلمة الرب يسوع كافية لإسكات الرياح وإخراج الأرواح.

ولنا بعض الملاحظات على تلك المعجزات السبع:

إن أول معجزة عملها المسيح لتخليص رجل من الشياطين التي تسكنه نقرأ: «فتعجب الجموع قائلين لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل». وفعلاً لم يظهر مثل هذا، لأن الشخص الذي فعله هو «عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا». وإن «كان الله معنا فمن علينا؟» (رومية8: 31). لم يعد الشيطان له اليد العليا، فقد ظهر في المشهد من هو أقوى منه.

والمعجزة الثانية كانت مع «مجنون أعمى وأخرس». وهل يوجد مثل هذه صورة ترينا مدى الذل الذي عمله الشيطان في الإنسان؟ والرب الذي قديمًا رأى مذلة شعبه، فنزل لكي يخلصهم، أتى في ملء الزمان ليخلص الإنسان من عدوه الشيطان. إنه ذاك المتفوق على كل القوى غير المنظورة، والأقوى من القوي (لوقا11: 21، 22). وإذ أحضر القوم إليه هذا الإنسان البائس شفاه على الفور، حتى إن الأعمى الأخرس تكلم وأبصر. ويا للمباينة بين الشيطان وقوته المؤذية التي جعلت الإنسان أعمى وأخرس، وبين المسيح الأقوى، الذي استخدم قوته لبركة الإنسان وشفائه!

في المعجزة الثالثة، حيث خلص الرب رجلاً فيه روح نجس في مكان العبادة (المجمع) فإننا نقرأ عن اعتراف الشياطين التي قالت للمسيح: «آه، ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أتيت لتهلكنا؟» (مرقس1: 24)، مما يدل على أن «الشياطين يؤمنون ويقشعرون» (يعقوب 2: 19)، كما يدل على أنها تعرف من هو الذي سيدينها، إنه هو المسيح! في مناسبة أخرى اعترفت الشياطين أن المسيح هو ابن الله، وعرفت أنه معذبها، إذ قالوا له: «ما لنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أ جئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا؟» (متى 8: 19). فمن يكون هذا؟

في المعجزة الرابعة أخرج المسيح ”لجئونًا“ من الشياطين كانوا يسكنون شخصًا واحدًا، واللجئون تشكيل عسكري قوامه ستة آلاف جندي. ويمكن أن نعتبر هذه المعجزة هي معجزة شفاء أخطر مريض! وكانت هذه الآلاف من الشياطين تسكن في رجل واحد، أذلته ودمرت شخصيته، فجعلته يسكن القبور، ويعيش عاريًا تمامًا، ويصيح ويجرح نفسه بالحجارة. لكن خلاص الرب لهذا الرجل لم يكلفه سوى كلمة واحدة، أمرٌ من صاحب الأمر، فخرجت جميع الشياطين صاغرة من الرجل، ووجد جالسًا ولابسًا وعاقلاً!

لقد طلبت الشياطين من الرب أن يسمح لهم بالدخول في قطيع الخنازير، وكان قصدهم من وراء هذا الطلب - كما اتضح فيما بعد - أن يُغرقوا الخنازير، فيجعلوا أهل المدينة ينقلبون على المسيح، وهو ما حدث بالفعل. لكن لا ينبغي أن يفوتنا دلالة استئذانهم من المسيح. فقبل مجيء المسيح كانت الأرواح الشريرة ورئيسهم الشيطان يتنقلون في الأرض بحرية (أيوب1: 7؛ 2: 2)؛ وأما الآن، وهم في محضر صاحب السلطان الحقيقي، فقد أخذوا الإذن منه قبل ذهابهم إلى الخنازير! وكون المسيح أذن لهم فهذا يتضمن دلالة هامة وهي أن «للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها» (مزمور24: 1). فالشياطين تستأذنه، ولأنه هو صاحب الكل، فقد أعطاهم الإذن.

وفي المعجزة السادسة حدث إخراج شيطان من على بعد. فكما شفى المسيح الأمراض بكلمة يقولها من على بعد، فعل كذلك مع الشياطين. وبأمر منه - وهو في مكانه - شفيت ابنة المرأة الكنعانية.

في المعجزة السابعة، كان تسعة من تلاميذ المسيح قد فشلوا في إخراج الشيطان، فيبدو أن جنس الشياطين الذي كان يسكن في الصبي كان جنسًا أخطر من بقية أجناس الشياطين الأخرى، إلى الدرجة التي فيها قال المسيح عنه: «هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم»، وأما بالنسبة للمسيح فالأمر مختلف، فلا شيء أكثر من كلمة واحدة خرج فيها الشيطان على التو!

3.7- تكثير الخبز:

دائرة أخرى أظهر فيها المسيح لاهوته، تختلف عن الدوائر السابقة، فهذه المعجزة ليست مثل معجزات الشفاء، أو إسكات العاصفة أو إخراج الشياطين، فيها أرجع الرب شيئًا إلى سابق عهده القديم، إذ أعاد للمريض صحته الضائعة، وأعاد للبحر سكونه وهدوءه وأعاد للإنسان المجنون عقله، بل إن المسيح في هذه المعجزة أوجد شيئًا لم يكن له سابق وجود، أي أوجده من العدم. وهذا معناه أن المسيح ”يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة“. وهذه واحدة من الخصائص الإلهية (رومية 4: 17).

ونظرًا لأهمية هذه المعجزة فقد وردت في البشائر الأربع (متى14: 14-21، مرقس6: 30-44، لوقا9: 10-17، يوحنا6: 1-15). وبالنظر إلى ذلك فإنه يمكن اعتبار هذه المعجزة أشهر معجزة، بالإضافة إلى استفادة أكبر عدد من الناس بها.

والمسيح كان يعرف أنه سيعمل تلك العجيبة. ويوضح لنا البشير يوحنا أن المسيح أمسك بزمام المبادأة عندما سأل فيلبس: «من أين نبتاع خبزًا ليأكل هؤلاء؟ وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه علم ما هو مزمع أن يفعل».

ولقد أكل الجميع وشبعوا، وليس كما قال فيلبس «يأخذ كل واحد شيئًا يسيرًا». لقد أعطاهم الرب «بقدر ما شاءوا» (يوحنا6: 11)، و”فضل عنهم“!

والذين ينكرون المعجزات قدموا تفسيرات فجة لهذه المعجزة العجيبة. قال واحد مهم، إن الجموع أكلت أقل القليل من الأرغفة الخمسة، ومع ذلك فإنهم شبعوا، وقال آخر إن ما فعله الصبي الصغير، إذ قدم الأرغفة التي عنده، حفز كل من كان معه طعام أن يخرجه ويشارك به الآخرين، فأكل الجميع وشبعوا. ولكن هذه التفسيرات تعسفية ولا نجد ما يؤيدها في النص على الإطلاق. فبالنسبة للتفسير الأول لا يعقل أن الخمسة الأرغفة يمكن أن تشبع خمسة آلاف رجل بدون النساء والأولاد، مهما اكتفوا بأقل القليل. ثم حتى لو افترضنا هذا المستحيل، يبقى السؤال: من أين أتت القفف الفاضلة بعد أن شبعوا؟ ثم إن الوحي يناقض هذا التفسير عندما يخبرنا إن الناس ”أكلوا بقدر ما شاءوا“. وبالنسبة للتفسير الثاني ينقضه أيضًا ما ذكره البشير يوحنا من أن الجموع في اليوم التالي هرولت إلى حيث كان المسيح، وهو عرف غرضهم وكشف عدم إيمانهم إذ قال لهم: «أنتم تطلبونني، ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم» (يوحنا6: 26).

التفسير الوحيد المنطقي والمقبول إننا هنا أمام واحدة من أعظم المعجزات التي تبرهن لاهوت المسيح، والتي تعلن مجده باعتباره الخالق، الذي «قال فكان، هو أمر فصار».

ثم كرر المسيح مرة ثانية هذه المعجزة عندما أشبع نحو أربعة آلاف، ما عدا النساء والأولاد، وهي المعجزة التي وردت في بشارتي متى15: 32-39، ومرقس8: 1-10. فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة»!

3.8- إقامة الموتى

إن معجزات إقامة الموتى تعتبر من أعظم الأدلة على لاهوت المسيح. فيقول الرسول في رومية 1: 4 إن المسيح «تعين (أو تبرهن إنه) ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات».

لاحظ أحدهم أن المسيح لما كان هنا على الأرض لم يعظ في أية جنازة، وذلك لأنه إذ كان يوجد في مكان، كان الموت يهرب من أمامه! ولقد أقام المسيح في أثناء خدمته الكثيرين من الذين كانوا قد ماتوا. وتسجل لنا البشائر الأربع ثلاثة أشخاص بالذات أقامهم المسيح من الأموات: وهم كالآتي: ابنة يايرس (متى9: 23-26، مرقس5: 35-43، لوقا8: 49-56)؛ ثم ابن أرملة نايين (لوقا7: 11-17)؛ وأخيرًا أقام المسيح لعازر الذي من بيت عنيا (يوحنا11: 1-44).

في المعجزة الأولى أقام المسيح ابنة يايرس بعد موتها بفترة وجيزة، حيث كانت ما تزال على فراشها وفي غرفتها.

والذين ينكرون المعجزات يقولون إن البنت، باعتراف الرب، لم تكن قد ماتت، حيث قال المسيح: «لم تمت الصبية، لكنها نائمة»، وبالتالي فلا توجد معجزة على الإطلاق. لكن الفهم البسيط للحادث كما روته البشائر الثلاثة يقودنا إلى التسليم بأن البنت كانت قد ماتت فعلاً (قارن مع كلمات لوقا الطبيب 8: 53). أما قول المسيح عنها ”إنها نائمة“، فهو لطمأنة أهل البنت المائتة، وهو يشبه قوله عن لعازر الذي كان قد مات ودفن وأنتن: «لعازر حبيبنا قد نام، ولكني أذهب لأوقظه» (يوحنا11: 11). وهذا معناه أن الموت والمرض والنوم كلها تستوي في نظر الرب.

قال أحد القديسين: إنه بالنسبة لنا هناك صعوبة في أن نيقظ شخصًا نائمًا، أكثر من الصعوبة التي عند المسيح ليقيم واحدًا من الموت. وهذا الأمر واضح ليس فقط في قصتنا هذه، إذ كانت البنت قد ماتت من بضع دقائق، بل حتى بالنسبة للعازر الذي كان قد مات من أربعة أيام، ودُفن وأنتن.

عندما وصل الرب إلى البيت، وجد هناك الضجيج والبكاء. وهذا يؤكد كم الإنسان ضعيف أمام هذا العدو اللعين الموت، والذي يُسمى في الكتاب ”ملك الأهوال“! لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للرب يسوع. لقد قهر المسيح عدو البشرية الأول، أعني به الموت. وكان هذا برهانًا على أنه هو الرب، إذ «عند الرب السيد للموت مخارج» (مزمور68: 20).

وعندما قال المسيح «لم تمت الصبية لكنها نائمة». فإنهم في عدم إيمانهم استهزئوا به. ”ضحكوا عليه“. ومن ضحك هؤلاء الأشرار نتيقن أن البنت كانت قد ماتت فعلاً، فلقد خدمت ضحكاتهم الشريرة قصدًا صالحًا، وكانت بمثابة شهادة وفاة للبنت، تعلن أن البنت كانت قد ماتت فعلاً.

«فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها ، فقامت الصبية، فخرج ذلك الخبر إلى تلك الأرض كلها» (متى9: 25و26).

وفي المعجزة الثانية، أقام المسيحُ الشابَ ابن أرملة نايين، وكان قد مات من فترة أكبر، إذ كانوا يشيعونه إلى القبر، وفي الطريق التقى موكب رئيس الحياة بموكب الموت، فأقام الشاب من النعش ودفعه إلى أمه!

يا لروعة المعجزة! يا لقوة ربنا يسوع! بهذه البساطة يقهر المسيح عدو البشرية المرعب والمخيف!

لكننا هنا نرى بالإضافة إلى قوة الرب ونصرته على الموت، ترفق المسيح وحنانه على الأرملة المحطمة التي انكسر عكازها، وانطفأت شمعتها، وهي ماضية لتدفن آخر أمل لها في الحياة. لكن القوي الحنان تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون، وبكلمة واحدة منه انتهر الموت، وأعاد الشاب الميت إلى أمه صحيحًا معافى!

هذا هو طابع إنجيل لوقا الذي انفرد بذكر هذه المعجزة. ولهذا فإنه بخلاف ابنة يايرس التي حضر أبوها يدعو المسيح ليشفي ابنته من المرض ثم ليقيمها من الموت، وبخلاف لعازر الذي أرسلت أختاه تطلب من المسيح ليحضر ليشفيه من مرضه، فإن المسيح في هذه المعجزة لم يرسل إليه أحد ولا طلب منه أحد شيئًا. إنها النعمة التي تأخذ زمام المبادرة وتقيم الميت.

ونلاحظ أن المسيح هنا لم يصلِ كما فعل قبل ذلك إيليا عند إقامته ابن الأرملة التي كان نازلاً في بيتها (1ملوك17: 20-22)، وكما بعد ذلك بطرس عند إقامته لطابيثا (أعمال9: 40)، ولا اضطجع فوق الميت كما فعل قبل ذلك إليشع عندما أقام ابن الشونمية (2ملوك4: 33-35)، ولا وقع على الميت ليعتنقه كما فعل بولس عند إقامته لشاب آخر اسمه أفتيخوس (أع20: 10)، بل كما كان يأمر الأمراض فتهرب من قدامه، ويأمر الشياطين فتخرج من الشخص، ويأمر الريح والبحر فيصير هدوء عظيم، هكذا هنا أيضًا باعتباره رئيس الحياة، أمر فعادت الحياة للشاب المائت!

أما المعجزة الثالثة فقد كانت أصعب وأهم معجزات إقامة الموتى، أعني بها معجزة إقامة لعازر بعد موته بأربعة أيام. وكان فيها قد دفن في القبر وأنتن. والمسيح قبل إقامة لعازر كان قد قال عن نفسه: «أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد» (يوحنا11: 25، 26)

لقد كان المسيح على الجانب الآخر من الأردن مع تلاميذه حين وصلته أخبار مرض لعازر، لكنه لم يتحرك فورًا لشفائه، بل انتظر توقيت الآب له، قائلاً: «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله لكي يتمجد ابن الله به» (ع5). ثم بعد ذلك قال لهم: «لعازر حبيبنا قد نام، ولكنني أذهب لأوقظه» (ع 11). أ يقدر مجرد إنسان أن يتكلم بمثل هذه الثقة؟ يعرف موت حبيبه وهو بعيد عنه، لكن ليس ذلك فقد بل يتحدث بلغة الواثق فيقول إنه سيذهب ليوقظه!

ولما لم يفهم التلاميذ ما الذي كان يقصده الرب من قوله: «لعازر حبيبنا قد نام»، فقد تكلم معهم بلغتهم التي يفهمونها وقال لهم: «لعازر مات».

وهنا نحن أمام اللاهوت، فالذي يتكلم هو العليم بكل شيء، والموجود في كل مكان، كلي القدرة، القادر حتى على إحياء الميت بعد مماته. إنه هو ذاك الذي «يدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة» (رومية4: 17).

ويخبرنا الوحي بأن ما عمله المسيح كان بقوته الشخصية، ولكي يتمجد هو نتيجة ما حدث. ونلاحظ أن المسيح ذكر مجد الله ومجده هو في تتابع لافت، فقال: «هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به». ومن ها يتضح أن مجد الله، ومجد ابن الله هو مجد واحد، لا تناقض بينهما ولا حتى مجرد اختلاف.

ولما جاء إلى القبر قال: «ارفعوا الحجر». وهنا اعترضت مرثا، وقالت له: «يا سيد قد أنتن، لأن له أربعة أيام». كأنها أرادت أن تقول: ”لا فائدة من المحاولة“. قال لها الرب: «أ لم أقل لكِ إن آمنتِ ترين مجد الله؟».

ثم رفع المسيح الشكر للآب، وبعدها صرخ بصوت عظيم، لا ليسمعه لعازر، بل «لأجل , الجمع الواقف»، وقال: ”لعازر هلم خارجًا“. وهي المرة الوحيدة التي فيها نادى الرب الميت باسمه. ولقد أصاب القديس أغسطينوس عندما قال: ”لو لم يكن الرب في هذه المعجزة قال «لعازر»، لكان كل الأموات الذين في المدفن قد قاموا“.

عند القبر لم يقل المسيح: في اسم الآب قم أيها الرجل، ولا قال أرجوك يا أبي أن تقيم لعازر، بل أصدر أمرًا للميت: «لعازر هلم خارجًا، فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل» (يوحنا11: 43، 44). حدث هذا في وضح النهار، وأمام شهود قد يعدوا بالعشرات أو بالمئات. ونحن لا يمكننا أن نتخيل معجزة ممكن أن تكون أوضح أو أقوى من تلك التي عملها المسيح، كآخر معجزة مسجلة له في إنجيل يوحنا. وأن يسمع الميت الصوت الذي يناديه، ويطيعه، ويخرج الميت أمام جمع حاشد في المدفن، فهذا برهان أكيد على لاهوت المسيح.

وكما انفرد لوقا بذكر المعجزة السابقة، معجزة إقامة الشاب ابن أرملة نايين، فقد انفرد يوحنا بذكر هذه المعجزة، فيوحنا في إنجيله يحدثنا عن المسيح ”ابن الله“. ويوحنا اكتفى من معجزات إقامة الأموات بذكر هذه المعجزة وحدها، فهي الأصعب. فإقامة الميت بعد أن أنتن، لا تقل عظمة عن الخلق نفسه , أن يجمع الله ذرات جسد الإنسان بعد تحلله، هذا – بكل تأكيد - يتطلب عظمة قدرة الله الفائقة (أفسس1: 19، 20، فيلبي3: 20، 21).

أشياء ما زال المسيح يعملها إلى اليوم!

بالإضافة إلى تلك المعجزات العظيمة التي عملها المسيح في أيام جسده هنا على الأرض، فإن المسيح ما زال يعمل العجائب حتى اليوم. إننا نؤمن بلاهوت المسيح، لأنه من غير سيف أو حروب، أثر في النفوس وغزا القلوب. وهو إلى الآن ما زال يؤثِّر تأثيرًا مدهشًا عجيبًا في الفجار الساقطين، فيحولهم إلى أبرار وقديسين، ويتعامل باللطف مع المتعصبين، وبالنعمة مع الشرسين، فيحوِّلهم إلى حملان وديعة، قلوبهم عامرة بالرقة، ونفوسهم مليئة بالشفقة. ويغيِّر الذين كانوا غارقين في الشرور والفجور، إلى أشخاص يشع من حياتهم النور والسرور. كما ونحن نؤمن بلاهوت المسيح من أجل العدد اللانهائي من الذين امتلأت قلوبهم بالمحبة للمسيح فضحّوا لأجل خاطره، فتخضَّبت ثيابهم بدماء الاستشهاد، بعد أن كانت ملوّثة بالخطايا والفساد. هذا التأثير العجيب في الملايين، على مدى ما يقرب من ألفين من السنين، لا يمكن أن يكون نتاج وهم أو شيطان، ويؤكد أن المسيح هو ابن الله الذي قَبِلَ أن يصير ابن الإنسان.